الخطيب الشربيني

385

مغني المحتاج

فيما إذا قال وقفت هذا لله أجيب بأن غالب الوصاية للمساكين فحمل الاطلاق عليه بخلاف الوقف ، وبأن الوصية مبنية على المساهلة فتصح بالمجهول والنجس بخلاف الوقف . قال الأذرعي : ويشبه أنه لو نوى المصرف واعترف به صح ظاهرا ، ونازعه الغزي في ذلك ، فإنه لو قال : طلقت ونوى امرأته لا تطلق لأن النية إنما تصح فيما يحتمله اللفظ ، وليس هنا لفظ يدل على المصرف أصلا اه‍ . وهذا أظهر . ولو بين المصرف إجمالا كقوله : وقفت هذا على مسجد كذا كفى وصرف إلى مصالحه عند الجمهور ، وإن قال القفال : لا يصح ما لم يبين الجهة فيقول على عمارته ونحوه . ثم شرع في الشرط الثالث ، وهو التنجيز ، فقال : ( ولا يجوز تعليقه كقوله إذا جاء زيد فقد وقفت ) كذا على كذا ، لأنه عقد يقتضي نقل الملك في الحال لم يبن على التغليب والسراية فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والهبة . تنبيه : محل الخلاف فيما لا يضاهي التحرير ، أما ما يضاهيه ك‍ جعلته مسجدا إذا جاء رمضان ، فالظاهر صحته كما ذكره ابن الرفعة . ومحله أيضا ما لم يعلقه بالموت ، فإن علقه به كقوله : وقفت داري بعد موتي على الفقراء فإنه يصح . قال الشيخان : وكأنه وصية لقول القفال إنه لو عرضها للبيع كان رجوعا . ولو نجز الوقف وعلق الاعطاء للموقوف عليه بالموت جاز كما نقله الزركشي عن القاضي الحسين ، ولو قال : وقفته على من شئت أو فيما شئت وكان قد عين له ما شاء أو من يشاء عند وقفه صح وأخذ ببيانه ، وإلا فلا يصح للجهالة . ولو قال : وقفته فيما شاء الله كان باطلا لأنه لا يعلم مشيئة الله تعالى . ثم شرع في الشرط الرابع وهو الالزام فقال : ( ولو وقف بشرط الخيار ) لنفسه في إبقاء وقفه والرجوع فيه متى شاء أو شرطه لغيره أو شرط عوده إليه بوجه ما ، كأن شرط أن يبيعه أو شرط أن يدخل من شاء ويخرج من شاء . ( بطل على الصحيح ) قال الرافعي : كالعتق والهبة . قال السبكي : وما اقتضاه كلامه من بطلان العتق غير معروف ، وأفتى القفال بأن العتق لا يبطل بذلك لأنه مبني على الغلبة والسراية . ومقابل الصحيح يصح الوقف ويلغو الشرط كما لو طلق على أن لا رجعة له . تنبيه : كان الأولى التعبير بالأظهر ، فإن الخلاف قولان منصوصان في البويطي . ( والأصح أنه إذا وقف بشرط أن لا يؤجر ) أصلا أو أن لا يؤجر أكثر من سنة صح الوقف ، و ( اتبع شرطه ) كسائر الشروط المتضمنة للمصلحة . والثاني : لا يتبع شرطه ، لأنه حجر على المستحق في المنفعة . تنبيه : يستثنى من إطلاق المصنف حال الضرورة ، كما لو شرط أن لا تؤجر الدار أكثر من سنة ثم انهدمت وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين ، فإن ابن الصلاح أفتى بالجواز في عقود مستأنفة وإن شرط الواقف أن لا يستأنف لأن المنع في هذه الحالة يفضي إلى تعطيله ، وهو مخالف لمصلحة الواقف . ووافقه السبكي والأذرعي إلا في اعتبار التقييد بعقود مستأنفة ، فرداه عليه وقالا : ينبغي الجواز في عقد واحد . والذي ينبغي كما قال شيخنا ما أفتى به ابن الصلاح لأن الضرورة تتقدر بقدرها . ولو شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من ثلاث سنين فأجره الناظر ست سنين ، فإن كان في عقد واحد لم يصح في شئ منها ولا يخرج على تفريق الصفقة كما مرت الإشارة إليه في فصلها ، وإذا أجر ثلاث سنين ثم الثلاث الاخر قبل انقضاء الأولى لم يصح العقد الثاني كما أفتى به ابن الصلاح . وإن فرعنا على الأصح أن إجارة المدة المستقبلة من المستأجر صحيحة اتباعا لشرط الواقف ، فإن المدتين المتصلتين كالمدة الواحدة ، وإنما أبطلناه في الثاني دون الأول لانفراده . ولو شرط في وقفه أن لا يؤجر من متجره ونحو ذلك مما يكتب في كتب الأوقاف اتبع شرطه ، قاله الأذرعي ، قال : ولم أره نصا اه‍ . وهو ظاهر ، والظاهر كما في المطلب أن للموقوف عليه الاعراب . ( و ) الأصح ( أنه إذا شرط ) ابتداء ( في وقف المسجد ) بأن وقف شخص مكانا مسجدا وشرط فيه ( اختصاصه بطائفة كالشافعية اختص ) بهم ، أي اتبع شرطه كما في المحرر كالروضة وأصلها ، فلا يصلي ولا يعتكف فيه غيرهم . ( كالمدرسة والرباط ) إذا شرط في وقفهما اختصاصهما بطائفة اختصا بهم جزما . والثاني : لا يختص المسجد بهم ، لأن جعل البقعة مسجدا كالتحرير فلا معنى لاختصاصه بجماعة . ولو خص